المقالاتتقنيةمال و أعمال

كيف تكتشف المحتال الذي سيختفي بعد تسليم المشروع بدقائق؟

تنظر الى الساعة بلهفة لتجدها تشير إلى الثالثة فجراً. عيناك محمرتان من الإجهاد، وأصابعك ترتعش قليلاً وأنت تضغط زر “إرسال”. لقد انتهيت للتو من تسليم المشروع الضخم الذي عملت عليه لأسبوع كامل من الجهد والمثابرة. تشعر بمزيج من الراحة والفخر، وتنتظر رسالة الإشعار البنكي أو كلمة “شكراً” على الاقل من العميل. تمر الدقائق.. ثم الساعات.. ثم الأيام. ولا رد سوى الصمت هو الرد الوحيد. تحاول الدخول إلى صفحة العميل فتجدها قد تبخر واختفت، أو تكتشف أنك “محظور”. وفي هذه اللحظة القاسية، تدرك الحقيقة المرة: لقد “انتصب علي “ وكنت ضحية لعملية سرقة متقنة، وأن العميل الذي كنت تتفاوض معه لم يكن سوى “سارق نصاب” تبخر في الفضاء الرقمي بمجرد أن حصل على مبتغاه و ما يريد.

للاسف ان هذه القصة ليست مشهداً درامياً من فيلم سينمائي، بل هي واقع يومي مؤلم يعيشه آلاف المستقلين او المتعارف عليهم في هذا المجال ب (Freelancers) في هذا العالم العربي ولغربي سواء كنت من الاردن ام من كندا، الذين يقعون ضحية لما تصنفه الهيئات الدولية بأنه جرائم الاحتيال الوظيفي تحت غطاء العمل الحر. المتزايدة. وفي ظل غياب القوانين الدولية الرادعة في كثير من الأحيان، تصبح كمستقل “الشرطي” و”القاضي” و”المحقق” لحماية نفسه.

دعنى لا نتحدث في هذا التقرير الهام المطول بعيدا عن القصص والمصائب،و نغوص في العقلية النفسية للمحتالين، ونقدم لك دليلاً استقصائياً يعتمد على مبادئ “الطب الشرعي الرقمي” (Digital Forensics) لكشف العميل المحتال والنصاب من اول جملة يرسلها او يتفوه بها، قبل أن تخسر دقيقة واحدة من وقتك الثمين أو دينارا واحداً من مالك, فأنت وعائلتك اولى بهذا الوقت والمال.

مستقل يتعرض لمحاولة احتيال العمل الحر عبر الإنترنت ويشعر بالقلق

كيف ولماذا ينجحون في خداعنا؟

قبل الحديث عن المؤشرات والدلائل التقنية، يجب أن نفهم “طريقة التفكير الهندسية” التي يعتمد عليها هؤلاء النصابون. يشير خبراء الأمن السيبراني، وبناءً على إحصائيات مركز شكاوى جرائم الإنترنت (IC3)، إلى أن مرتكبي جرائم احتيال العمل الحر لا يخترقون جهازك الإلكتروني فحسب، بل يخترقون “أملك” وطموحك. إنهم يعتمدون بذكاء خبيث على ثغرتين نفسيتين رئيسيتين لدى ضحاياهم وهما, “اليأس والحاجة” و “الإطراء الخادع “.

فاما اليأس والحاجة فان الانسان الطبيعي او المستقل الذي يمر بفترة ركود مالي (مفلس) يكون أكثر عرضة لتجاهل إشارات الخطر الحمراء الواضحة، مقابل الفخ بوعد غامض بدفع مبلغ مالي محترم. المحتال يشم رائحة الحاجة ويستغلها.

وعند استغلال الإطراء الخادع يبدأ المحتال عادةً بمدح مبالغ فيك لمهاراتك: “أنت الأفضل”، “لم أجد محترفاً مثلك”، “ملفك الشخصي أبهرنا”. هذا النوع من “التخذير النفسي” يجعلك تخفض دفاعاتك وتثق به ثقة عمياء، لأننا جميعاً نحب الاطراء وأن نسمع أننا مميزون.

المحتال “النصاب” يتمتع بذكاء ملفت وعند فهم هذه المؤشرات تكون خط الدفاع الأول؛ فعندما تشعر أن العرض خيالي “أفضل من أن يكون حقيقياً” وأن العميل يمدحك بشكل مريب دون سابق معرفة، فتأكد أنك تواجه حالة احتيال العمل الحر بنسبة كبيرة.

“مصيدة التليجرام” والهروب من المنصة

ان هذه العلامة هي “الوباء” الأوسع تفشيا، وقد حذرت منها منصات عالمية ضمن إرشادات الأمان في Upwork وسياسات Fiverr الصارمة حيث ينشر العميل مشروعاً، وبمجرد أن تقدم عرضك، تصلك رسالة مغرية: “مرحباً، نحن مهتمون جداً بملفك” الاطراء”، ولكن يرجى مراسلة مدير التوظيف عبر تليجرام أو واتساب لمناقشة التفاصيل لأننا لا نتواجد هنا كثيراً” الخداع”.

لماذا يفعلون ذلك؟ ليس لسهولة التواصل كما يدعون، بل لسببين خطيرين وهما, طمس الأدلة الرقمية و تجنب نظام الضمان, فاما خدعة طمس الأدلة الرقمية فان منصات العمل الحر تستخدم خوارزميات ذكية تراقب المحادثات وتحذف الحسابات المشبوهة فوراً عند رصد كلمات دالة على الاحتيال. والخدعة بنقلهم لك إلى تطبيق مشفر مثل تليجرام، هم يخرجونك من نطاق “الرقابة” والحماية، حيث لا يمكن للدعم الفني مساعدتك. و لتجنب نظام الضمان فعند خروجك خارج المنصة، لا يوجد طرف ثالث يضمن حقك المالي. بمجرد تسليم العمل، يمكنهم حظرك بضغطة زر (Block) دون أن يملكوا أي رصيد فعلي في حساباتهم البنكية.

العميل المحترم يحترم قوانين المنصة التي يعمل من خلالها. أي طلب للتواصل الخارجي قبل توقيع العقد الرسمي هو “اشارة حمراء” لمحاولة احتيال العمل الحر بنسبة 99.9%.

فخ اختبار الأداء المجاني وسرقة الجهود

هذا الاسلوب من أكثر الأساليب مكراً هو ما يُعرف بـ “سرقة الأفكار المقننة”. يطلب العميل منك القيام بـ “مهمة تجريبية” لإثبات كفاءتك قبل توظيفك رسمياً في المشروع الكبير المزعوم.

ولتكن نبيها بتميز الخط الفارق بين الاختبار الحقيقي او السرقة, فان العميل الحقيقي يطلب اختبارا صغيرا مدفوع الاجر او يطلب الاطلاع على اعمالك السابقة ليحكم على مستواك, وهذا من حقه المشروع.

اما العميل المحتال “النصاب” فيطلب منك تنفيذ جزء “أصلي” وحقيقي من المشروع الحالي مثل ترجمة 5 صفحات كاملة من الملف، أو تصميم شعارين فعليين. الحقيقة المرة هي أنه يرسل هذا “الاختبار المضلل” لـ 10 مستقلين مختلفين، وبذلك يحصل على المشروع كاملاً مجاناً، ثم يتبخر بدعوى أن مستواك لم يعجبنا أو وجدنا شخصاً آخر.

ونصيحتي لتحمي نفسك من هذا النوع من احتيال العمل الحر؟ لا تقبل ابدا أي اختبار مجاني يتجاوز 15 دقيقة من العمل الفعلي، أو اطلب بجرأة أن يكون الاختبار “مدفوعاً” ولو بسعر رمزي. إذا رفض العميل الدفع مقابل وقتك وجهدك في الاختبار، فهو بالتأكيد لا ينوي الدفع اصلا مقابل المشروع الكبير.

دائما مستعجل وغير واضح

“أحتاج هذا المشروع خلال 24 ساعة والدفع ممتاز!”.. هذه الجملة يجب أن تطلق جميع صافرات الإنذار في رأسك فوراً. يعتمد العميل النصاب على خلق حالة من “الاستعجال” لزيادة توترك و منعك من التفكير المنطقي أو التدقيق في هويته أو تاريخه “المشرف!” . يريدك أن تبدأ العمل فوراً “مستعجل مستعجل!” قبل أن تكتشف إدارة الموقع أنه يستخدم بطاقة ائتمانية مسروقة ويتم إغلاق حسابه.

والاضافة الى هذه العجلة عادةً “غموض” شديد وغير واضح في التفاصيل. فالعميل الحقيقي المحترم يعرف ماذا يريد بدقة ولديه ملف مواصفات. أما النصاب، فستجد وصف مشروعه عاماً جداً وضبابياً مثلا: “نحتاج كاتباً مبدعاً لكتاب” دون تحديد الموضوع، الجمهور المستهدف، أو الطول. إنه يستخدم نصوصاً منسوخة لإرسالها لآلاف الضحايا في وقت واحد، منتظراً من يقع في الفخ احد المساكين.

كذبة “بدفعلك زيادة ما رح تكون الى راضي” والشيكات المزورة

هذه الحيلة قديمة جداً في عالم البنوك التقليدية لكنها انتقلت وتطورت لتناسب احتيال العمل الحر. حيث يرسل لك العميل شيكاً إلكترونياً أو حوالة بنكية بمبلغ “أكبر” بكثير من المتفق عليه, مثلاً اتفق معك على 500 دينار وأرسل لك إشعاراً بتحويل 1500 دينار.

لتبدأ اغرب قصة درامية ومحبوكة: “أوه، يا إلهي! لقد أخطأ المحاسب وأرسل لك مبلغاً إضافياً خاصاً بمشروع آخر، هل يمكنك تحويل الـ 1000 دينار الزائدة لحسابي البنكي الآخر أو لحساب زميلك والاحتفاظ بالباقي؟”. بحسن نية “طبعا اذا معك” ، تقوم أنت بتحويل المال له. بعد أيام، تظهر المصيبة يكتشف البنك أن الشيك الذي أرسله لك “مزور” أو أن الحوالة تمت من بطاقة مسروقة ، فيقوم البنك بسحب المبلغ كاملاً (الـ 1500 دينار) من رصيدك أنت يا مسكين. لتصبح قد خسرت الـ 1000 دينار الذي حولته له من مالك الخاص، وخسرت مجهودك، وربما تعرضت للمساءلة القانونية.

الحسابات “الوليدة” والسرقة عبر الروابط (Phishing)

صحيح أن الجميع يبدأ من الصفر، إلا أن التعامل مع عميل ليس لديه أي تاريخ دفع (Payment Method Not Verified) وليس لديه أي تقييمات سابقة، وتاريخ انضمامه للموقع هو “اليوم”، يعتبر مخاطرة عالية جداً، خاصة في المشاريع الكبيرة.و أخطر تطور في هذا السياق هو الاحتيال عبر الروابط (Phishing)، حيث تقوم البرمجيات الخبيثة بسرقة بياناتك فور النقر, قد يرسل لك العميل رابطاً ويقول: “تفاصيل المشروع موجودة في هذا الملف، اضغط هنا لتحميله”. بمجرد الضغط، قد يتم تحميل برمجية خبيثة مثلا لتشفر ملفات جهازك وتطلب فدية، أو يتم سرقة كلمات مرور حساباتك البنكية.

للتحقيق “الطب الشرعي الرقمي” اتبع هذه التعليمات بدقة:

  • ابحث في جوجل انسخ اسم العميل أو شركته في محرك البحث. هل لديهم وجود حقيقي من الاصل؟ هل هناك شكاوى ضدهم في منتديات المستقلين؟
  • قم ببحث الصور العكسي خذ صورة الملف الشخصي للعميل واستخدم (Google Lens). في معظم الاحيان يستخدم مرتكبو احتيال العمل الحر صوراً مسروقة من الإنترنت لأشخاص وسيمين أو مديرين تنفيذيين ليبدو موثوقين وذوي نفوذ.

كيف اضمن حقي المادي تقنياً؟

الآن بعد أن عرفنا كيف نكتشفهم، استخدم “الدرع الواقي” بشكل صارم ويجب ألا تتنازل عنه مهما كانت المغريات, لا عمل بدون دفعة مقدمة للمشاريع المباشرة خارج المنصات (وهو أمر لا ننصح به للمبتدئين)، اطلب 50% مقدماً قبل كتابة حرف واحد. العميل الجاد لن يمانع، أما المحتال سيختفي فوراً. “نظام الضمان “هو صديقك الوفي في منصات محترمة مثل Upwork أو Mostaql، لا تبدأ العمل أبداً قبل أن يتغير لون حالة المشروع وتصلك رسالة رسمية: “تم إيداع المبلغ في الضمان” (Funded). هذا يعني أن النقود قد خرجت فعلياً من جيب العميل وأصبح في حوزة الموقع كوسيط. واما الوعود الشفهية ” كلام الجرائد” لا تصرف في البنوك ولا تحميك من احتيال العمل الحر.

اما إذا كنت مصمماً أو مونتيراً فاستخدم العلامات المائية والملفات المغلقة

لا تسلم النسخة النهائية عالية الجودة (HD) إلا بعد استلام كامل المبلغ. أرسل نسخاً منخفضة الدقة وعليها علامة مائية ضخمة وواضحة باسمك تتوسط التصميم. أما بالنسبة للمبرمجين والمترجمين، أرسل ملفات بصيغة (PDF) للقراءة فقط، أو استعرض العمل عبر مشاركة الشاشة (Screen Share) في مكالمة فيديو، دون إرسال الملفات المصدرية (Source Code) حتى تتأكد من وصول المال.

واذا اردت التعرف كيف تكسب المال أونلاين دون أن تتحدث مع أي بشر؟ اليك مقالنا السابق “دليلك لربح المال دون التحدث مع البشر” .

او مقالنا السابق عن كيف تنجو من ‘عبودية العمل الحر’ وتنظم وقتك كالمحترفين؟

استخدام أنظمة الحماية والضمان لتجنب احتيال العمل الحر والحفاظ على الحقوق المالية

ختاما رؤيتي حماية مالك وجهدك جزء لا يتجزأ من كسبه

يجب أن ندرك حقيقة ان السعي وراء الرزق لا يعني الطيبة و السذاجة. فالمحتالون في غابة العمل الحر لا يستهدفون الأغبياء، بل يستهدفون “الطيبين” و”المستعجلين” وأولئك الذين يغلبهم الحياء في المطالبة بحقوقهم. فإن قدرتك على قول “لا” لعميل مشبوه، ورفضك الصارم للخروج من المنصة الآمنة، وتمسكك بحقوقك المالية والدفعات المقدمة، هي مهارات مهنية لا تقل أهمية عن مهارتك التقنية في التصميم أو البرمجة أو الكتابة.لحماية جهدك تذكر دائماً هذه القاعدة: العميل الذي يغضب من طلبك لضمان حقوقك، هو في الغالب الشخص النصاب الذي كان يخطط لسرقتها. فكن حذراً، واجعل شكوكك درعاً يحمي إبداعك وجهدك ووقتك الثمين، ولا تسمح لأحد أن يسرق “سهر الليالي” بوعود كاذبة.

تنويه: المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض تعليمية وتوعوية فقط، وبناءً على تجارب وخبرات في سوق العمل الحر. رغم دقة النصائح، إلا أننا ننصح دائماً باتباع سياسات الأمان الرسمية لكل منصة عمل والرجوع لجهات الاختصاص عند التعرض للاحتيال المالي “لا سمح الله”.

المصدر
Federal Trade Commission (FTC)مركز شكاوى جرائم الإنترنت (IC3)مدونة Upwork الرسميةKaspersky Blog

محمد بدران

كاتب متخصص يقرأ الواقع بمنظور شامل يجمع بين دقة الخبير المالي وحيوية الشغف بالحياة. بصفتي مديراً مالياً متمرساً في خبايا التجارة والأسواق الاقتصادية، أمتلك رؤية تحليلية للأعمال، لكنني أؤمن بأن "إدارة الثروات" يجب أن توازيها "إدارة الذات"؛ و بناءً على تجربتي كرياضي وبحثي في المصادر الطبية أكرس وقتي لممارسة الرياضات الصحية وتجديد الفكر عبر السفر والسياحة، مقدماً خلاصة تجربة توازن بين نمو المال وجودة الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى