المقالاتمال و أعمال

لماذا ينفد راتبي قبل نهاية الشهر؟

لنكن صريحين مع أنفسنا، فمن منا لم يصل إلى يوم 20 من الشهر كحد أقصى ليتضح أنه قد أصبح مفلساً وبشكل رسمي (على الحديدة). لماذا تحدث مشكلة نفاد الراتب معي في كل شهر؟ الراتب الذي انتظرته بفارغ الصبر لثلاثين يوماً، تبخر في أقل من عشرين يوماً. وتجد نفسك أمام عشرة أيام طويلة من التقشف، أو الأسوأ “الاستدانة”.

هذه القصة ليست دراما شخصية، بل هي “وباء مالي” صامت يفتك بالطبقة المتوسطة في عالمنا العربي. والسؤال الذي يطرحه الجميع بمرارة: “أين يذهب راتبي؟ أنا لا أشتري سيارات فاخرة ولا أسافر كل شهر إلى المالديف، فلماذا ينفد الراتب؟”.

لن أتحدث بلغة الأرقام الجافة والنصائح المكررة مثل “توقف عن شرب القهوة”. بل سنحاول معاً وبشتى الطرق إيجاد الثغرات التي قد تبدو بسيطة ولكنها تستنزف رواتبنا دون أن نشعر. وسأعرض عليكم الاستراتيجيات الفعالة لحل مشكلة إفلاس آخر كل شهر.

هل “الغلاء” هو السبب؟

إذا سألنا الناس عن سبب نفاد الراتب، تكون الإجابة الفورية: “الغلاء، الراتب قليل، التضخم”. ورغم أن هذه أسباب حقيقية لا يمكن إنكارها، إلا أنها ليست “السبب الوحيد”.

هل تذكر عندما كان راتبك نصف ما تتقاضاه الآن؟ كنت تشتكي حينها أيضاً. اليوم تضاعف الراتب، وما زلت تشتكي وتعلن إفلاسك في نفس الموعد. يكمن السبب في قاعدة اقتصادية نفسية تسمى “قانون باركنسون”: “المصاريف تتمدد دائماً لتغطي كل الدخل المتاح”. بمعنى آخر، كلما زاد دخلك، قمت لا إرادياً برفع مستوى معيشتك. بمعنى أن السيارة القديمة لم تعد تعجبك، والهاتف أصبح بطيئاً، والملابس تحتاج لتجديد. هذا “التضخم في نمط الحياة” هو الثقب الأول والأكبر. نحن لا ندخر الزيادة في الراتب، بل نستهلكها دون أن نشعر على الكماليات الزائدة، ولن نصل إلى الكمال.

ما المشكلة إذا اشتريت شيئاً جديداً أعجبني؟

لنتمعن في قصة الفيلسوف الفرنسي دينيس ديدرو الذي عاش في فقر مدقع، حتى حصل فجأة على مبلغ كبير من المال. اشترى لنفسه ثوباً أحمر فاخراً. لكنه لاحظ أن أثاث منزله القديم لا يليق بجمال الثوب الجديد. فغيّر السجاد، ثم الكراسي، ثم اللوحات.. حتى أفلس تماماً.

هذا ما يسمى بـ “تأثير ديدرو” (The Diderot Effect). فمثلاً شراء هاتف “آيفون” جديد لا ينتهي عند دفع ثمنه. بل يجر وراءه سماعات إيربودز، ساعة ذكية، اشتراك آيكلاود، وغطاء حماية فاخر. نفاد الراتب غالباً ما يكون نتيجة سلسلة من القرارات الشرائية المتسلسلة التي بدأت بقرار واحد “بريء”. فلنراقب مشترياتنا؛ هل نشتري أشياء لأننا نحتاجها؟ أم لأنها “تليق” بمشترياتنا الأخرى؟

ننفق دون أن نشعر

في علم الإدارة المالية، نطلق مصطلح “عامل اللاتيه” (The Latte Factor) على تلك المصاريف الصغيرة المتكررة التي تبدو تافهة بمفردها، لكنها كارثية عند تجميعها.

لنقم بحسبة بسيطة ومرعبة بلغة الدينار، لنرى كيف تتسرب ثروتك ببطء:

نوع المصروفالتكلفة التقديرية (يومياً/شهرياً)التكلفة الشهرية الإجمالية
قهوة صباحية (كافيهات)1.00 دينار × 30 يوماً30 ديناراً
غداء سريع في العمل2.50 دينار × 26 يوم عمل65 ديناراً
اشتراكات منسية(نتفليكس، أنغامي، تبرع للجيم الذي لا تذهب إليه 😊)25 ديناراً
تدخين (البعض يعتبره من الأساسيات)3.00 دنانير × 30 يوماً90 ديناراً
المجموع الشهري“نزيف خفي”210 دنانير أردنية!

تخيل أن هذا المبلغ (لنقل 200 دينار) يخرج من جيبك شهرياً “خلسة”. لو قمت باستثمار هذا المبلغ في محفظة استثمارية محلية (مثل الودائع الاستثمارية المتنامية في البنوك الإسلامية أو أسهم البنوك القيادية المستقرة) بعائد سنوي مركب يقارب 6%، فإن هذا المبلغ سيتحول بعد 10 سنوات إلى أكثر من 32,000 دينار أردني!

حيث إن المشكلة ليست دائماً في ضعف الرواتب، بل في هذا “الاستنزاف البطيء” الذي يسرق منا شقة المستقبل أو سيارة الأحلام دون أن نشعر. لنراجع كشف حساباتنا البنكية الآن، ولنبحث عن هذه المصاريف النثرية.

التصنع ومرض هذا العصر المعروف بـ “البرستيج”

نعيش اليوم في عصر “إنستغرام”، حيث يقاس النجاح بما تظهره، لا بما تملكه. والضغط الاجتماعي هو أحد أخطر أسباب نفاد الراتب. فحفلات الزفاف الباذخة، والهدايا المبالغ فيها، والخروج لتناول العشاء في أماكن باهظة فقط لتصوير “الستوري”. فنحن نشتري أشياء لا نحتاجها، بمال لا نملكه من الأصل، لنبهر ناساً لا نحبهم. فالإدارة المالية الذكية تتطلب “شجاعة اجتماعية”. القدرة على قول “لا، هذا خارج ميزانيتي” هي مهارة أهم من مهارة الاستثمار في الأسهم. وتذكر: فالثراء الفعلي هو ما تدخره، وليس ما تنفقه.

كيف أوقف هذا النزيف؟

أكبر خطأ يرتكبه الموظفون هو المعادلة التالية: (الدخل – المصاريف = الادخار). هذه المعادلة فاشلة لأن المصاريف لن تترك شيئاً للادخار. المعادلة الصحيحة للأثرياء هي: (الدخل – الادخار = المصاريف). بمجرد نزول الراتب، يجب أن يخرج منه دون تفكير مبلغ (وليكن 10% أو 20%) إلى حساب توفير منفصل أو محفظة استثمارية، قبل أن تلمسه يدك. تعامل مع هذا المبلغ وكأنه “ضريبة” أو قسط قرض واجب السداد. عش بالباقي، وستتفاجأ كيف ستتكيف ميزانيتك مع المبلغ المتبقي.

قاعدة الـ 72 ساعة (للمشتريات الاندفاعية)

عندما ترى شيئاً يعجبك (حذاء، ساعة، جهاز إلكتروني)، لا تشتره فوراً. أعطِ نفسك مهلة 72 ساعة. ففي اليوم الأول: ستكون متحمساً جداً. وفي اليوم الثاني: سيبدأ الحماس بالفتور. إلى أن تصل إلى اليوم الثالث: غالباً ستنسى الأمر أو تدرك أنك لا تحتاجه فعلاً. هذه الحيلة النفسية البسيطة وفرت عليّ شخصياً مبالغ كبيرة سنوياً من مشتريات كنت سأندم عليها.

تقنية “الظرف المفقود”

تخيل أن راتبك نقص فجأة بنسبة 5% بسبب خطأ محاسبي. هل ستموت جوعاً؟ بالطبع لا. ستتذمر قليلاً ثم تتأقلم. قم طوعاً بخصم هذه النسبة. اعتبرها “ظرفاً مفقوداً” وضعه في صندوق للطوارئ. هذا الصندوق هو الذي سينقذك عندما تتعطل سيارتك فجأة لا سمح الله، بدلاً من اللجوء لبطاقات الائتمان التي تفتح باب الجحيم المالي. وتوصي الهيئات المالية مثل [مكتب الحماية المالية للمستهلك] بضرورة بناء هذا الصندوق قبل البدء في أي استثمار آخر.

رسم بياني على لوح أبيض يوضح قاعدة توزيع الراتب 50/30/20، مقسم إلى 50% للأساسيات، 30% للرغبات، و 20% للمستقبل والادخار، في مكتب منزلي.

تقسيم الراتب (50/30/20) المرن

إن أول من طرح عليّ هذه الفكرة في بداياتي صديقي العزيز المحاسب القانوني (JCPA) صالح العسراوي، ولم أعلم فوائدها إلا بعد التجربة الشخصية. وتعتبر هذه القاعدة الكلاسيكية من أهم [أساسيات الميزانية] المعترف بها عالمياً لسبب بسيط: توازنها. فهي تضمن لك تغطية الأساسيات دون حرمان نفسك من الرفاهية. ففي هذه الطريقة يكون تقسيم الراتب بهذا الشكل البسيط:

  • 50% للاحتياجات الأساسية: (إيجار، فواتير، طعام المنزل، مواصلات). هذه أشياء لا يمكن العيش بدونها.
  • 30% للرغبات والرفاهية: (مطاعم، ملابس، ترفيه). بالطبع، يجب أن تستمتع بمالك، لكن بحدود.
  • 20% للمستقبل: (ادخار، استثمار، سداد ديون). هذا هو المال الذي يشتري لك حريتك.

إذا كانت مصاريفك الأساسية تتجاوز 50%، فأنت بحاجة إما لتقليل تكلفة معيشتك (نقل لسكن أرخص) أو زيادة دخلك (عمل جانبي)، ولا حل ثالث لهما. ولأفكار حول زيادة الدخل، راجع مقالنا المميز: [كيف تطلق متجرك الإلكتروني وتبيع قبل أن تشتري البضاعة؟] أو مقالنا عن [كيف تكسب المال أونلاين دون أن تتحدث مع أي بشر؟].

نصيحتي الشخصية

إن هذه المعضلة يمكن حلها باستعمال هذه الاستراتيجيات أو استبدالها بطريقة ذكية دون الشعور بالنقص أو الحاجة. فعلى سبيل المثال، كوب القهوة الصباحي يمكن تحضيره بمكتبك أو مكان عملك أو المنزل، ولن يكلفك 20 قرشاً. أما الغداء السريع فعد إلى صندوق الغداء من أيام الدراسة وما العيب في ذلك؟ ولن يكلفك نصف دينار. وأما التدخين فلا حاجة لنصحك فأنت أعلم مني بمضاره الصحية والمالية، ويمكنك الالتحاق ببرامج الإقلاع عن التدخين المجانية التي تقدمها وزارة الصحة.

وأنصحك بإلغاء جميع الاشتراكات الزائدة عن حاجتك، وخصوصاً تبرعك السخي للجيم 😊 دون فائدة. فلو لم تمتلك الوقت الكافي للذهاب إلى الجيم، أنصحك بقراءة مقالي السابق عن [تجهيز جيم منزلي بأقل التكاليف] أو مقال عن [جدول تمارين أسبوعي في المنزل: خطة إنقاذ للموظفين والطلاب].

ملاحظة

تهدف المعلومات والاستراتيجيات الواردة في هذا التقرير إلى تعزيز الوعي المالي وتقديم إرشادات عامة، ولا تُغني بأي حال عن المشورة المالية المتخصصة. وحيث إن الظروف الاقتصادية متغيرة، فإن الأرقام والنسب المذكورة تبقى تقديرية؛ لذا يُنصح دائماً باستشارة خبير مختص لضمان اتخاذ القرارات الأنسب لواقعك المالي.

المصدر
Investopedia (Budgeting Basics)Psychology Today (The Psychology of Spending)The Latte FactorConsumer Financial Protection Bureau (CFPB)

محمد بدران

كاتب متخصص يقرأ الواقع بمنظور شامل يجمع بين دقة الخبير المالي وحيوية الشغف بالحياة. بصفتي مديراً مالياً متمرساً في خبايا التجارة والأسواق الاقتصادية، أمتلك رؤية تحليلية للأعمال، لكنني أؤمن بأن "إدارة الثروات" يجب أن توازيها "إدارة الذات"؛ و بناءً على تجربتي كرياضي وبحثي في المصادر الطبية أكرس وقتي لممارسة الرياضات الصحية وتجديد الفكر عبر السفر والسياحة، مقدماً خلاصة تجربة توازن بين نمو المال وجودة الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى