المقالاتمنوعات

هل الحيوانات ترى ما لا يراه البشر؟ حقائق علمية تكشف “العالم الخفي”

عندما تنظر إلى حديقة منزلك، ترى العشب الأخضر والزهور الملونة والسماء الزرقاء. قد تعتقد أن هذه هي الصورة الكاملة للواقع، لكن الحقيقة العلمية “الصادمة” هي أن ما يراه البشر لا يمثل سوى جزء ضئيل جداً من الطيف الكهرومغناطيسي.

في هذه الأثناء، تعيش حيوانات بجوارنا في عالم موازٍ تماماً؛ عالم مليء بألوان وإشارات بصرية لا تستطيع أعيننا البشرية التقاطها. السؤال الذي يطرح نفسه دائماً: هل الحيوانات ترى ما لا يراه البشر؟ الإجابة المختصرة هي “نعم”، ولكن التفاصيل أكثر إثارة مما قد تتخيل.

يأخذكم هذا التقرير في رحلة علمية داخل عيون الكائنات الحية، لنكشف الستار عن القدرات الخارقة التي تمتلكها، بعيداً عن الخرافات، واستناداً إلى أحدث الأبحاث البيولوجية.

حدود العين البشرية: نحن شبه “عميان”!

لفهم تفوق رؤية الحيوانات، يجب أولاً أن نعترف بقصورنا. العين البشرية مصممة لرؤية “الضوء المرئي” فقط، وهو نطاق موجي يتراوح بين (400 إلى 700 نانومتر). نحن نعتمد على ثلاثة أنواع من المستقبلات اللونية (المخاريط) لرؤية الأحمر، الأخضر، والأزرق.

أي ضوء خارج هذا النطاق هو بالنسبة لنا “ظلام دامس”، لكنه بالنسبة لحيوانات أخرى هو “ضوء ساطع” مليء بالمعلومات.

1. عالم الأشعة فوق البنفسجية (The UV World)

هل تساءلت يوماً كيف تجد النحلة الزهرة المناسبة وسط حقل شاسع؟ الإجابة تكمن في الأشعة فوق البنفسجية.

بينما نرى نحن الزهرة بلون واحد (أصفر مثلاً)، ترى الحشرات والطيور أنماطاً ونقوشاً معقدة على البتلات تشبه “مهابط الطائرات”، ترشدها بدقة إلى مكان الرحيق. هذه الأنماط مرسومة بألوان فوق بنفسجية لا تراها أعيننا.

  • الرنة (Reindeer): تعيش في القطب الشمالي حيث الثلج ناصع البياض يعكس ضوء الشمس ويسبب العمى للبشر. لكن، اكتشف العلماء أن الرنة ترى الأشعة فوق البنفسجية، مما يمكنها من رؤية الفراء الأبيض للذئاب (التي تمتص الأشعة) كبقع سوداء واضحة على الثلج. إنها “رؤية ليلية” من نوع خاص تحميهم من الافتراس.
  • الطيور: العديد من الطيور ترى ألواناً في ريش بعضها البعض لا نراها نحن، مما يلعب دوراً حاسماً في التزاوج.

2. الرؤية الحرارية: عيون ترى الحرارة

في الجهة المقابلة من الطيف، توجد الأشعة تحت الحمراء (Infrared). نحن البشر نشعر بها كحرارة، لكن بعض الحيوانات “تراها” كصورة.

  • الأفاعي (Vipers): تمتلك بعض الثعابين، مثل الأفعى المجلجلة، ثقوباً خاصة بين العين والأنف تعمل كـ “كاميرات حرارية”. هذا يسمح لها برؤية الفريسة (مثل الفأر الدافئ) في ظلام دامس تماماً، حيث يظهر الفأر ككتلة متوهجة وسط الخلفية الباردة.

حقيقة مذهلة: دقة هذه المستقبلات عند الأفاعي عالية جداً لدرجة أنها تستطيع رصد تغير في درجة الحرارة أقل من 0.003 درجة مئوية!

3. الرؤية الليلية الفائقة: لماذا تلمع عيون القطط؟

عندما نتحدث عن رؤية الحيوانات في الظلام، تتفوق القطط والكلاب بمراحل. السر يكمن في طبقة عاكسة خلف الشبكية تسمى “بساط الشفيف” (Tapetum Lucidum).

تعمل هذه الطبقة كمرآة؛ فهي تعكس الضوء الذي لم تمتصه العين في المرة الأولى ليمر عبر الشبكية مرة أخرى، مما يمنح الحيوان “فرصة ثانية” للرؤية. هذا هو السبب العلمي وراء توهج عيون القطط باللون الأخضر أو الأصفر عند تسليط الضوء عليها ليلاً.

عين قطة تلمع في الظلام بسبب طبقة بساط الشفيف التي تعزز الرؤية الليلية

بين العلم والخرافة: هل ترى الحيوانات “الجن”؟

من الأسئلة الشائعة جداً والتي تندرج تحت التفسيرات الثقافية والدينية: “هل ترى الحيوانات الجن أو الملائكة؟”.

من منظور علمي بحت (وهو محور هذا التقرير)، عندما تحدق قطتك في زاوية فارغة أو ينبح كلبك على الفراغ، فإنه غالباً يستجيب لمحفزات فيزيائية حقيقية لا تدركها حواسك القاصرة، مثل:

  1. سماع ترددات فوق صوتية: قد يسمع الكلب صوت تيار كهربائي داخل الجدار أو حركة حشرة دقيقة.
  2. رؤية ومضات ضوئية: قد ترى القطة انعكاسات ضوئية دقيقة جداً أو حركة غبار في شعاع من الأشعة فوق البنفسجية.

العلم يؤكد أن الحيوانات تمتلك حواساً “فائقة”، وتفسير سلوكها الغريب يعود غالباً لقدرتها على رصد العالم المادي بدقة تفوق البشر، وليس بالضرورة عوالم ميتافيزيقية.

الخلاصة

إن القول بأن الحيوانات ترى ما لا يراه البشر هو حقيقة علمية مطلقة. نحن نعيش في نفس المكان، لكننا لا نعيش في نفس “العالم البصري”. الحيوانات تمتلك تكنولوجيا بيولوجية متطورة تمكنها من رؤية الحرارة، والأشعة فوق البنفسجية، والحركة السريعة جداً، مما يجعل تجربتها للواقع أكثر ثراءً وتعقيداً مما كنا نظن.

في المرة القادمة التي ينظر فيها حيوانك الأليف إلى شيء لا تراه، تذكر: هو ليس مجنوناً، هو فقط يمتلك عيوناً أفضل من عيونك.

المصدر
(National Geographic)(AMNH)(Scientific American)

محمد بدران

كاتب متخصص يقرأ الواقع بمنظور شامل يجمع بين دقة الخبير المالي وحيوية الشغف بالحياة. بصفتي مديراً مالياً متمرساً في خبايا التجارة والأسواق الاقتصادية، أمتلك رؤية تحليلية للأعمال، لكنني أؤمن بأن "إدارة الثروات" يجب أن توازيها "إدارة الذات"؛ و بناءً على تجربتي كرياضي وبحثي في المصادر الطبية أكرس وقتي لممارسة الرياضات الصحية وتجديد الفكر عبر السفر والسياحة، مقدماً خلاصة تجربة توازن بين نمو المال وجودة الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى